محمد أبو زهرة

1483

زهرة التفاسير

وإن اللّه سبحانه وتعالى يسن الأحكام العامة للمناسبات الخاصة ، ليكون السبب موضحا للحكم ، وإن كان الحكم عاما ، ولذا قال سبحانه : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ . ابتدأ سبحانه بنفي وصف الغلول وهو الخيانة في الغنائم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك لبيان أن التسوية في القسمة مطلوبة من الجميع لا فرق في ذلك بين قائد وقائد ، ولو كان أحد يسوغ له ألا يسوى في القسمة لما كان رسول رب العالمين ، ولكنه أول من ينفى عنه هذا الوصف ، ولأن الرماة تعجلوا خشية ألا يأخذوا ، فبين اللّه لهم أن عدم تسويتهم في الغنيمة غلول ، وما كان الغلول من شأن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولبيان أن عدم توزيع الغنيمة بالعدل خيانة ، فلا يستكبر قائد عن أن يوصف بها إذا وقع منه عدم التسوية . ومعنى قول اللّه تعالى : وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ما ساغ وما صح لنبي أن يخون ، فالنفى هنا نفى للشأن ، أي ليس من شأن النبي أن يخون ، والتنكير هنا للتعميم ، فليس من شأن أي نبي يتكلم عن اللّه تعالى أن يخون ، وإذا كان التنكير للتعميم لأنه تنكير في مقام النفي ، فمؤدى الكلام أن النبوة والغلول نقيضان لا يجتمعان ، فما كان لأحد أن يظن أن النبي سوف لا يقسم بالسوية ، وإذا وقع ذلك الظن فهو من الظن الإثم : إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ . . . ( 12 ) [ الحجرات ] . وأصل الغلول من الغلل ، وهو دخول الماء في وسط الشجر كما جاء في مفردات الراغب الأصفهاني ، وسميت الخيانة في الغنيمة غلولا ؛ لأنها تدخل الملك من غير حله وفي خفاء ، كجريان الماء بين الأشجار في خفاء ، ويقال تغلغل في الشئ دخل فيه واختفى ، ويطلق الغل بكسر الغين على الحقد لأنه يكون دفينا متغلغلا في كيان النفس الإنسانية ويفسدها . وإن المعنى الذي يجرى عليه جمهور المفسرين بأن المراد بالغلول المنفى عن الرسول وسائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هو الغلول المادي في شؤون المادة ، ولم تتعرض الآية الكريمة للغلول المعنوي وهو كتمان ما أنزل اللّه